السبت، 15 أغسطس 2015

خواطر حول المنهجية العلمية

إستكمالاً لكلامنا عن الفرق بين العلم الحقيقي والعلم الزائف ‫(‫‫المقال الأول والثاني و الثالث‫)‫‫ نسأل هنا‫:
ما هو العلم‫ الحقيقي؟ وما هي منهجيته‫؟ وكيف نعرف أننا وصلنا إلى الحقيقة أو إلى أحد درجاتها؟
إتفق العلماء علي مر القرون علي منظومة محددة للعلم. العلوم الأساسية كلها علوم تجريبية ، فلا يكفي أن يكون لدينا فكرة منطقية أو نظرية رياضية حتي نقول بكل ثقة أننا قد وصلنا إلي الحقيقة. فالعلم يدرس الطبيعة حولنا ، ولذلك وجب علينا أن نستشهد بالطبيعة أولاً قبل أن نقول أننا فهمنا كذا أو إكتشفنا كذا. أي أن التجربة المعملية أو الرصدية هي دائماً المحك والفيصل. وإتفق العلماء أيضاً أن تجربة واحدة لا تكفي. يجب أن يمر كل إكتشاف جديد في مراحل كثيرة جداً ، منها إعادة التجربة نفسها أكثر من مرة علي يد علماء مختلفين ، بل تعاد التجربة مئات المرات بإستخدام أجهزة مختلفة أو تقنيات أعلي في دقتها. فإذا كانت النتيجة ذاتها تظهر في كل تجربة من هؤلاء يبدأ العلماء في تقبل هذه النتيجة. هذه المراحل هي التي يتم فيها قبول الواقع كما نراه. فلا يكفي مثلاً أن يخبرنا يوهان كپلر أنه إكتشف أن الكواكب تدور حول الشمس في مدارات إهليجية ، ولكن يتبع ذلك رصد الكواكب علي يد عشرات العلماء الأخرين قبل أن يتقبل الجميع هذا الواقع ، وهو أن الكواكب بالفعل تدور حول الشمس في مدارات ذات خواص محددة
(أنظر ما يعرف بقوانين كپلر).
يلي ذلك تكوين نظرية تشرح الأليات المنطقية والرياضية للواقع الذي تم رصده ، فنجد إسحق نيوتن بعد كپلر يصيغ نظرية الجاذبية رياضياً ويفسر بها حركة الكواكب. ويلي ذلك أيضاً عشرات الأبحاث التي إما تؤكد أو تنفي أفكار نيوتن. وبالإضافة إلي قدرة النظريات علي تفسير الرصد السابق لها إتفق العلماء أيضاً علي أن النظريات الصحيحة يجب أن يكون لها قدرة تنبؤية ، بأن تقول النظرية "لو عملنا التجربة الفلانية فأنا أتوقع أن تكن النتيجة كذا" ، أي أن تتنبأ النظرية بالناتج. ثم يلي ذلك عشرات التجارب التي تختبر هذه المقدرة التنبؤية للنظريات. بل أن العلماء يذهبون إلي ما هو أبعد من ذلك ، فيقومون بتجارب الهدف منها هو نفي النظرية والعثور علي درجات قصورها ، فوجب علي كل نظرية أن تحتوي بداخلها علي القدرة علي نفي نفسها ، كأن تقول نظرية الجاذبية مثلاً: "إذا عثرتم علي كوكب يدور في مدار ذا خواص غير التي أتنبأ بها فهذا دليل علي عدم صحتي ويجب عليكم البحث عن نظرية أخري." هذه الخاصية الهامة هي ما تسمي بال
Falsifiability
أو مقدرة النظرية علي نفي نفسها (أنظر كتابات فيلسوف العلوم كارل پوپر حول هذا الموضوع).
وبمرور الوقت ، وزيادة التجارب والأبحاث التي تؤكد النظرية وتبني عليها ، ومع عدم وجود أي نتيجة معملية أو رصدية تنفيها ، يزداد يقين العلماء بصحة النظرية ، فمن هو هذا المجنون في يومنا هذا الذي يخرج علينا قائلاً أن نيوتن كان مخطئاً خطأ كاملاً في أفكاره المعروفة؟ وقد يشير البعض إلي أن نيوتن قد أخطأ بالفعل في نظريته للجاذبية والدليل علي هذا أن أينشتين خرج علينا بنظرية جديدة للجاذبية بعد نيوتن بأربعمائة عام ، وهذه النظرية أيضاً لها أدلة صحتها. ولكن هذا القول تنقصه الدقة ، فأينشتين لم يُثْبِت خطأ نيوتن ولكنه وضع نظرية أوسع تطبيقاً من نظريات نيوتن ، فتكون هنا نظرية نيوتن هي حالة خاصة لنظرية أينشتين. وهذا كله طبيعي ، ففهمنا للطبيعة يتسع ويزداد فنكتشف ما هو أعم وأشمل ممَ كنا نعرفه سابقاً ، ولذلك فأن أي عالم حقيقي يعلم جيداً أنه لا وجود لأي حقيقة مطلقة في العلوم ، فالعلم ليس إلا سلماً متصاعداً من الفهم والتوسع في الفهم.
ويتخلل كل هذه المراحل أساليب نشر كل درجة من درجات هذا الفهم. وهو اليوم ما يسمي بالنشر تحت التحكيم العلمي (
Peer review publishing
). فأتُفِقَ أن علي كل عالم قام بتجربة صَغُرَت أو كبُرَت عليه أن يكتب ورقة بحثية بأسلوب متفق عليه يشرح تفصيلاً أهدافه وأساليبه والأجهزة التي إستخدمها والنتائج التي وصل إليها بطريقة تسمح للقارئ أن يعيد تركيب البحث ويقوم بالتجربة بنفسه إن أراد. ويرسل العلماء هذه الأوراق البحثية إلي المجلات العلمية كل في تخصصه. يتسلم المحررون هذه الأبحاث ويقررون تقريراً مبدأياً إذا كانت هذه الأبحاث ملائمة للنشر أم لا ، لأن هؤلاء المحررون علماء أيضاً ولديهم المقدرة علي تقدير جودة البحث وإن كان الباحث شخص علي دراية بما يفعل. ثم يرسلون الأبحاث إلي ما يسمي بالمحكم العلمي (
Peer reviewer
) وهو عالِم أخر متخصص في نفس تخصص البحث ، يتم إختياره عشوائياً أو بناء علي تجارب مسبقة. فيقرأ هذا العالم البحث ويراجعه ويتأكد من كونه بحثاً مطابقاً لمنهجية العلم وأن الباحث علي دراية بما يفعل ، ويقدر أيضاً أهمية الموضوع ومدي أحقيته للنشر. وأحياناً ما يرسل المحرر البحث لأكثر من محكم علمي. ومن المتعارف عليه أن المحكمين العلميين يكونون مجهولين لصاحب البحث حتي لا يكون هناك أي إحراج أو حزازات في حالة الرفض. وعادة ما يطلب المحكم العلمي شيئاً من المراجعة للبحث أو إضافة مرجع أو إضافة توضيح أو ربما يرفض البحث بأكمله. وأحياناً ما يدور حوار بالمراسلة (في يومنا هذا تكون المراسلات إلكترونية) بين الباحث صاحب الورقة العلمية وبين المحكمين المجهولين لديه ، ويتخللها تعديلات وإضافات للبحث حتي يتم قبوله ونشره.
ولا ينتهي الموضوع هنا ، فقد ينشأ بعد البحث حواراً علمياً بين العلماء حول هذا البحث ، فيقوم بعضهم بإعادة التجربة كما أسلفنا ويقوم البعض بنقدها مثلاً ، وتظهر نتائج كل هذا في ورقات بحثية أخري تمر بنفس المراحل. فيزداد الحوار ويتوسع ويكبُر العلم وتنمو المعرفة.
هذه المراحل الكثيرة المتعددة لا تتوقف ولا نهاية لها ، وكلها جزء من المنهجية المتفق عليها لينمو العلم ويصحح نفسه بمرور الوقت. ولا تنجح كل الأفكار في الإتساع والإستمرار ، فمنها ما يثبت خطئه ومنها ما يُعَدَّل ويعاد تعديله حتي يتقبله الجميع.
كل هذا ممَ لا ندرسه بالمدارس والجامعات ، بل هي مرحلة متقدمة من الفهم لا يبدأ الإنسان في إستيعابها قبل وصوله إلي مستوي الدكتوراه.

******************************
هذا المقال كان في الأصل جزء من مقال أخر لي حول نظرية التطور ‫، ولكن نظراً لأني أعلم أن بعض الناس ما‫"‫بيحبوش‫"‫ سيرة التطور ‫، فنقلت الجزء المهم هنا دون ذكر التطور‫.‫
 
 
 
 
 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق